عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
42
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
( الحكاية الأولى عن أبي الفيض ذي النون المصري رضى اللّه تعالى عنه ) قال : وصف لي رجل من السادة باليمن قد برز على الخائفين ، وسما على المجتهدين ، بسيما بين الناس معروف ، وباللب والحكمة والتواضع والخشوع موصوف . قال : فخرجت حاجّا إلى بيت الحرام ، فلما قضيت الحج قصدت زيارته لأسمع من كلامه وأنتفع بموعظته أنا وأناس كانوا معي يطلبون ما أطلب من البركة ، وكان معنا شاب عليه سيما الصالحين ومنظر الخائفين ، وكان مصفرّ الوجه من غير سقم ، أعمش العينين من غير رمد ، يحب الخلوة ويأنس بالوحدة ، تراه كأنه قريب عهد بمصيبة ، وكنا نعذله على أن يرفق بنفسه ، فلا يجيب قولنا وعذلنا ، ولا يزداد إلا مجاهدة واجتهادا ، ولسان حاله يقول : أيها العاذلون في الحبّ مهلا * حاش لي عن هواه أن أتسلى كيف أسلو وقد تزايد وجدى * وتبدّلت بعد عزّى ذلا قيل تبلى فقلت تبلى عظامي * وسط لحدي وحبكم ليس يبلى حبكم قد شربته في فؤادي * في قديم الزمان مذ كنت طفلا قال : ولم يزل ذلك الشاب في جملتنا حتى انتهى معنا إلى اليمن ، وسألنا عن منزل الشيخ فأرشدنا إليه ، فطرقنا الباب فخرج إلينا كأنما يخبر عن أهل القبور ، فجلسنا إليه ، فبدأه الشاب بالسلام والكلام ، فصافحه وأبدى له البشر والترحيب من دوننا ، وسلمنا كلنا عليه ، ثم تقدم إليه الشاب وقال : يا سيدي إن اللّه قد جعلك وأمثالك أطباء لأسقام القلوب ، ومعالجين لأوجاع الذنوب ، وبي جرح قد نغل ، وداء قد استكمن وأعضل ، فإن رأيت أن تتلطف بي ببعض مراهمك فافعل ، فأنشد الشيخ هذه الأبيات : إن داء القلوب عظيم * كيف لي بالخلاص من داء ذنبي هل طبيب مناصح لي فإني * أعجز الخلق والأطباء طبي آه واخجلتى ويا طول حزنى * من وقوفي إذا وقفت لربى وانقطاع الجواب منى ولم لا * وبلائي قد جلّ عن كل خطب